الكاتب: محمد محمود الزايد.

في وقت تتسارع فيه التحولات في أسواق الطاقة العالمية، وجدت موريتانيا نفسها أمام معادلة جديدة في تسعير الوقود، مع إعلان الحكومة تعديلا مفاجئا حمل دلالات غير مسبوقة في السوق المحلي .
فقد أقرت السلطات رفع سعر المازوت بـ23,3 أوقية ليصل إلى 51,23 أوقية، مقابل خفض سعر البنزين بـ27,1 أوقية ليستقر عند 51,12 أوقية. وبذلك، يتجاوز سعر المازوت نظيره من البنزين للمرة الأولى في البلاد، في خطوة وصفها متابعون بأنها تحول بارز في بنية تسعير المحروقات.
صباح مختلف في انواكشوط
مع ساعات صباح الأولى، بدأ سائقو سيارات الأجرة والشاحنات يتناقلون الخبر أمام محطات الوقود. لم يكن التغيير مجرد أرقام جديدة على لوحة الأسعار، بل مؤشرا على مرحلة مختلفة قد تمتد آثارها إلى كلفة النقل وأسعار السلع.
يقول سيدي ، سائق أجرة منذ أكثر من عقد: “المازوت هو عصب عملنا اليومي. أي زيادة، مهما بدت بسيطة، ستؤثر على دخلنا أو على الزبون في نهاية المطاف”. فمعظم وسائل النقل العمومي والشاحنات تعتمد على المازوت، ما يجعل أي ارتفاع في سعره ذا أثر مباشر على الدورة الاقتصادية.
في المقابل، عبر بعض أصحاب السيارات الخاصة عن ارتياح نسبي بعد خفض سعر البنزين، وإن ظل الفارق بين السعرين محدوداً للغاية.
خلفيات دولية وضغوط متصاعدة
تأتي هذه الخطوة ضمن مراجعة دورية للأسعار المحلية، وفق ما أكدته مصادر خاصة، في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية. وتزداد المخاوف مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما رافقها من ارتفاع في تكاليف الإمداد والنقل والتأمين.
ويشير محللون إلى أن أي تصعيد قد يمس حركة الملاحة عبر مضيق هرمز من شأنه أن يربك إمدادات النفط عالمياً، نظراً لأهمية هذا الممر البحري الذي تعبر عبره نسبة كبيرة من صادرات الخام. فمجرد التلويح بإغلاقه كفيل بإشعال الأسعار في الأسواق الدولية، وهو ما يضع الدول المستوردة، ومنها موريتانيا، أمام ضغوط مالية متزايدة.
أبعاد اقتصادية أعمق
يرى خبراء اقتصاديون أن تجاوز سعر المازوت لسعر البنزين يحمل أبعاداً تتجاوز الظرف الآني. فالمازوت لا يقتصر على النقل، بل يدخل في أنشطة حيوية مثل الصيد البحري وبعض القطاعات الإنتاجية، ما يعني أن أي زيادة قد تمتد تدريجياً إلى أسعار المواد الأساسية.
ويطرح متابعون تساؤلات حول ما إذا كان القرار يعكس إعادة ترتيب لأولويات الدعم أو محاولة لتحقيق توازن أكبر بين كلفة الاستيراد وسعر البيع المحلي، خاصة في ظل بيئة دولية غير مستقرة.
بين الضرورة والقلق الشعبي
في الشارع، يسود ترقب حذر. فالمواطنون اعتادوا على ربط أسعار الوقود بموجات ارتفاع في تكاليف المعيشة. ومع أن الفارق بين سعري المازوت والبنزين لا يتجاوز أجزاء من الأوقية، إلا أن رمزية هذا التحول تبقى قوية، باعتباره سابقة في السوق الوطني.
وبين تبريرات رسمية ترتبط بتقلبات الخارج، ومخاوف داخلية من انعكاسات اقتصادية، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمثل هذا التعديل إجراءً ظرفيا تمليه الظروف الدولية، أم أنه بداية لمرحلة جديدة في سياسة تسعير الطاقة في البلاد ؟
وتأتي هذه التعديلات في سياق تحولات سياسة تسعير المحروقات، بعد أن كانت الحكومة قد خفضت الأسعار مطلع فبراير الماضي، مع دخولها مرحلة تحرير أسعار الوقود عقب مفاوضات مطولة مع صندوق النقد الدولي.

