العلامــة : سيدي صالح بن أحمد درجه التنواجيوي رحمه الله
بقلم: سيدي صالح افاه ـــــ أستاذ وباحث

أولا : اسمه ونسبه
هو العلامة الجليل والقاضي الشهير سيدي صالح بن محمد محمود بن أحمد درجه بن الطالب النافع بن المختار الملقب (الشهلاوي ) التنواجيوي
*أمه*: عائشة بنت الطالب بن ببكر بن محمد عبد الدائم بن الطالب أحمد بن محمدالأمين بن أحمد الملقب “الداده” من آل يوسف
ثانيا : مولده ونشأته
ولد رحمه الله في حدود 1905 أو قبلها بقليل .
عاش العلامة سيدي صالح في محيط علمي بامتياز سواء تحدثنا عن محيطه القريب “أسرته” أم البعيد ، فقد عرف المجتمع التنواجيوي بالإقبال على العلم والتفوق في القرآن وعلومه ، وكذلك الفقه ، فكل ذلك يجعل الفتى الطامح ينافس
على إدراك المعالي و يزاحم من أجل إحراز مكانته في وسط يضيء ببدور العلم ومنارات الهدى .
فقد كانت أسرته مليئة بالعلماء والفقهاء والصلحاء مما ولد عنده إحساسا كبيرا بضرورة شد العزيمة و شعورا قويا بالمسؤولية الملقاة على كاهله وهي تجديد ما اندرس من تلك الآثار الطيبة ، فقد روي عنه أنه قال “إن لي سلفا من العلماء بلغوا تسعة و سأطلب العلم حتى أكون عاشرهم ؛وقد هجر في سبيل هذا الطموح القوي الأهل والأحباب وودع الأقارب والأوطان وسلك الأغوار والأنجاد وركب من أجله كل صعب وذلول ؛ فكان رحمه الله مقبلا غاية الإقبال على العلم والتعلم ، حتى ظفر بما يرومه من مرغوب ، وأدرك ما أراده من مطلوب .
ثالثا : طلبه للعلم
تلقى بدايات تعليمه على يد عمه الفقيه سيدي صالح بن أحمد درجه ، ثم واصل قراءة القرآن على بعض الشيوخ ، إلى أن اتصل بالعلامة النحرير محمد سالك بن خي بن عمار النين رحمه الله فأجازه في قراءة الإمام نافع ، وقد كان محمد السالك ذا همة عالية رحالة من أجل تحصيل العلم ، فأثرت فيه ملازمته ودرس عليه بعض المتون الفقهية ، ثم علت به همة الازدياد من العلم ، فشمر قاصدا محظرة أهل أحمد بن الهادي ، وهي من المحاظر الجامعة التي خرجت جهابذة من ألمع نجوم العلم كأبناء مايابى وغيرهم ، وهي نفس المحظرة التي خرجت شيخه العلامة محمد السالك ، فألقى سيد صالح فيها عصا التسيار ، ولازم العلامة عبد الله بن أحمد بن عينينا فدرس عليه عددا من المتون الفقهية كمختصر خليل والعاصمية وغيرها ، ثم لازم بعد وفاته ابنه احمدنا بن عبد الله ، ودرس هناك كل ما يدرس في المحاظر من متون اللغة والنحو والفقه والحديث والأصول وغيرها إلى أن صدر وهو رواء ، وطاب له الثواء في هذه المحظرة فمكث فيها أكثر من ثلاثين سنة ، ولم يقبل أن يرجع قبل استكمال ما أراد من التبحر في العلوم ، وقد لامه عمه سيد صالح وأخوه محمد الامين على انقطاعه عنهم ، فكتب لهم رسالة جميلة عن طموحه في طلب العلم وملأها بالفوائد وأهمية الانقطاع لطلب العلم مما يدل على تمكنه ، وهي موجودة في مكتبته ..
ثالثا : نشاطه العلمي
ويمكن أن نقسمه إلى ثلاثة محاور هي :
1- ممارسته للتدريس
فقد مارس العلامة سيدي صالح التدريس وهو في المحظرة حيث كان ماهرا جدا في تدريس علوم القرآن فتتلمذ عليه عدد كبير وأجاز منهم عددا من الأعيان والأعلام ؛ وممن تتلمذ عليه أبناء شيوخه ، وخاصة القاضي سيد احمد بن احمدنا بن عبد الله بن أحمد بن الهادي ، الذي أجازه في قراءة نافع وفي المكتبة نسخة من هذه الإجازة ، والظاهر أنه درس عليه الفقه أيضا ، فقد خط له المغني قراء المختصر لجده أحمد بن عينينا وكتب في آخره “كتبه لأخيه في الله وشيخه سيد صالح بن محمد محمود ، سيد احمد بن أحمد بن الهادي” ، وتتلمذ عليه كذلك أخوه محمد عينينا ، وقصده عدد من أبناء عمومته منهم الشيخ بتار بن سيد صالح الذي أعاد عليه دراسة المقرأ بعد أن أخذ السند في المنطقة، فأجازه مرة أخرى وتوجد نسخة من هذا السند في مكتبته ، وكذلك أخوه الفقيه محمد محمود الذي هاجر إلى الحجاز ، ومنه إلى السودان ثم إلى الكامرون واستقر فيه معلما وداعيا إلى الإسلام فدخل على يديه آلاف الناس في دين الله .
وحين عاد إلى مسقط رأسه أخذ عنه عدد من الأعلام الفقه ؛ منهم : ابن عمه العالم الفقيه سيد محمد بن امهادي بن الشهلاوي ، وابن عمه محمد المختار بن الداه بن الشهلاوي ، والفقيه محمد المختار الملقب “اسلامه” بن المصطف ، ومحمد الأمين الملقب “امين” بن سيد بن انه وغيرهم كثير .
2- ممارسته للفتيا والقضاء
بعد أن درس العلامة سيد صالح على شيوخه لازمهم مدة طويلة كانت كافية في تمرنه على طرائق التعامل مع النوازل ، وإجراءات الترافع والتقاضي ، فأخذ الدربة على صناعة الفتوى ، وأتقن سبل الاستشهاد بالنصوص واستثمارها في حل المشكلات ، وفض النزاعات ، وحين قدم على مجتمعه سطع نجم علمه ، واعترف له القاصي والداني بالتفوق ، وألقت له الفتوى أزمتها منقادة ، فكان علمه محل إجماع عند الخاص والعام في منطقته ، فتواترت الألسن عليه بالثناء ، وشهدت له بأنه لم يصل منطقته مثله ، فكان الحكم العدل الذي رضي الجميع حكومته ، واتفقوا على أنه منذ قدم إلى أن مات لم يرد فقيه له فتوى ، ولم ينقض أي قاض له حكما .
وكان أشهر قضية أفتى فيها ولم يسبق إليها هي (توريث ذوي الأرحام) فيما عرف بقضية ول اعزيز الذي توفي ولا وارث له إلا زوجته ، فمضى زمن ومتروكه عند من كان في “كتابهم” إلى أن قدم العلامة سيد صالح فأفتى بتوريث أخواله حيث كتب في تلك الفتوى إن عدم توريث ذوي الأرحام مقيد بأمرين (عدل الحكام ، وانتظام بيت المال) فما دام كل منهما معدوما أصلا (حتى يكون الإمام عدلا أو غير عدل ، أو بيت المال منتظما أو غير منتظم ، فإنما فضل عن زوجة ول اعزيز يرجع لأخواله) ، وقد طارت الفتوى في الآفاق ، ولم يستطع أحد معارضتها ؛ وسلمها الفقيه الحاج اعل بن سيد اعبيد رحمه الله .
وفيها قال أحد الأدباء :
من كبله كيفنك جيت وسيت الحكم لل صالح
افتريكتْ سيد وسيت ش صالح يسيد صالح
وقد أقبل الناس عليه يستفتونه في شؤونهم ، ويحتكمون إليه فيما يختصمون ، فكان بيته عامرا دائما بالزوار لغرض التعلم والاستفتاء والاستقضاء ، وقد رضي به الجميع حكما وقاضيا ، لما وجدوا في أحكامه من صراحة الحق ، ونصاعة العدل ، فاختاروه عمن سواه ، وتهيب كثير من الفقهاء في زمنه ممارسة الفتوى والقضاء ، لكثرة ما رد من فتاويهم وأحكامهم ، وقد تنبه رؤساء مركزي عين فربه والطويل آنذاك لغزارة علمه ، ومهارته في الفصل بين الخصوم ، فكانوا يبعثون إليه بالمتخاصمين ليحكم بينهم بالحق ، كما كان يفعل محفوظ بن حنن رحمه الله ، وكذلك الشيخ بن ابيبكر الذي كان يراسله من الطويل ويرسل إليه المتنازعين ليحكم بينهم بالحق كما في “حكم حول الاسترعاء”..
وقد لمس فيه الجميع الصلابة في الحق ، والاتصاف بالعدل ، والشجاعة في التقاضي ، والصرامة في الأحكام ، فلم يحاب ذا منزلة لمكانته ، ولم يخش عنده ذوضعف ظلما ولا هضما ، بل إن المظلوم حين يأتيه يتيقن أنه سيظفر بالنصفة ، ويأمن من غوائل الحيف ، وله مواقف في ذلك مشهورة مشهودة.. وله مراسلات تدل على أنه كان مصلحا عظيما من خلال قضائه بين الناس يحرص على عدم تضييع الحقوق وكف الظالم وصاحب اللدد عن ظلمه من ذلك قوله مخاطبا متخاصمين : “يا فلان اعلم صحة أنك إن لم تأت حكمت عليك باللدد ، وفلان إن لم يأت بالشهود حكمت عليه ببطلان كل ما يدعي .. والسلام” وكتب لآخر “إذا جاءك فلان فاقدم معه لحكم الله ويكفي ما فات من تضييع الحقوق” وغيرهما من الرسائل ..
3 – آثاره العلمية
ترك العلامة سيد صالح عددا من الآثار منها :
– شرح المخارج والصفات ، وهو تكملة لشرح الإدوعيشي على منظومة ابن بري
– رسالة في فضل طلب العلم
– رسالة في حكم زيارة القبور
– مجموعة فتاوى فقهية وأحكام قضائية تم تحقيقها في جامعة العلوم الإسلامية تحت عنوان : (فتاوى وأحكام سيد صالح بن أحمد درجه … جمعا ودراسة وتحقيقا)
رابعا : ثناء الناس عليه
لا يمكننا إحصاء شهادات الثناء على العلامة سيدي صالح من معاصريه وممن بعدهم ، فقد شهد له بعض أقرانه من العلماء بالتفوق في العلم ، من هؤلاء الفقيه الشيخ أحمد الملقب “أي” بن عالي بن ابراهيم بن البان بن الشيخ أحمد حيث “أفتى بحرمة الفتوى والقضاء على فقهاء المنطقة ما دام سيدي صالح بين ظهرانيهم ” وقريب من هذه الشهادة أفتى بها الفقيه الصادع بالحق الحاج اعل الملقب ” الداه ابِّتْنَ” بن سيد اعبيد بن الصوفي بن الحاج اعل حيث نصح بذلك بعض الفقهاء في المنطقة..
وقد وصفه الوجيه البارز الشيباني بن عالي بن إبراهيم رحمه الله بقوله : “عالم جليل ، امتاز بالهيبة وسلطة العلم ، والعدل بين الخصوم ، كبير القدر ، فاق في العلم كل الفقهاء الموجودين في زمنه ، استطاع حل معضلات فقهية استعصت على غيره ، وكان غنيا لا يرزئ أحدا شيئا يحسن إلى الناس “
وقال فيه الشيخ الدد بن داهي : “كان عالما شجاعا في الحق لا يخاف في الله لومة لائم”
وقال فيه ابن أخته أيّ بن ختار : “تفوق في العلم على كل من عاصره في المنطقة ، ولم ينقض له حكم قط ، على الرغم من وجود عدد من العلماء ….”
وقد كتب فيه الفتى النابه العمدة محمد الأمين بن البنان إفادة مهمة يقول فيها : “…. أتذكر حجم المهابة والوقار والثقة والمكانة الرفيعة التي يحظى بها لدى الجميع … وأتذكر توافد الناس عليه فرادى وجماعات من أجل التبرك والاستفادة ، وحل المشكلات العالقة التي غالبا ما يفضل أصحابها التوجه إليه بها ، وبعضهم يحتفظ بها لحين عودته إذا كان مسافرا …”
خامسا : وفاته
بعد عمر حافل بالعلم والتعلم والعطاء ، فجع المجتمع ومناطق عين فربه والطويل برحيل العلامة سيدي صالح بن محمد محمود سنة 1972 مخلفا ذكرا لا يبلى في ذاكرة المنطقة ولسان صدق في أجيال المنطقة يردده العامة قبل الخاصة .
وقد رثاه شاعر أولاد بومحمد الفنان الكبير أحمد بن أحمد زيدان بن بوب جدو رحمه الله بكاف من لبير مشحون بحالة الحزن التي خيمت على قلوب الجميع بسبب رحيله الذي ترك فراغا لا يسد :
سيد صالح من كلّْ فرضْ ** امش بيه ؤلعنايَ
وراهم مساكينْ الارضْ. ** جات اعليهم لعمايَ
رحم الله العلامة سيد صالح بن محمد محمود بن أحمد درجه وأسكنه فسيح جناته.

