بقلم ؛ الولي سيدي هيبه…
لا تقاس الأمم بما تقوله عن نفسها، بل بما تضيفه إلى رصيد الإنسانية من فكر وإبداع وقيم…ليست الأزمات الثقافية وليدة نقص الإمكانات وحدها، بل هي في الأعمّ الأغلب نتاج خلل في الرؤية، واضطراب في ترتيب الأولويات، وعجز عن بناء مؤسسات قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع ملموس. وحين يتسع الهوة بين الخطاب والممارسة، يصير الاحتفاء بالذات بديلاً عن مساءلتها، ويتحول الماضي إلى ملاذ نفسي يعوّض عجز الحاضر عن إنتاج منجزاته الخاصة.في بلد يثقل كاهله رصيد من الألقاب الكبيرة، تتموضع الطبقة المثقفة، بمختلف أطيافها، في قلب تناقض صارخ بين الحماس الخطابي وضعف المخرجات الثقافية. فباستثناء مبادرات فردية محدودة، يكاد ينعدم وجود مؤسسات ثقافية مستقلة وفاعلة، أو بنية إنتاج معرفي قادرة على ترجمة الأفكار إلى مشاريع مستدامة. لا مسارح تؤسس لحياة فنية حقيقية، ولا صناعة نشر قادرة على مجاراة حركة الفكر، ولا مطابع حديثة، ولا مؤسسات ثقافية تمتلك القدرة على المنافسة والإشعاع. وهكذا تحولت الثقافة، في بلد التناقضات الكبرى، إلى خطاب عنها أكثر من كونها فعلا ثقافيا منتجا.ولأن الاعتراف بهذا الفراغ يقتضي مراجعة الذات، فقد تشكل، في المقابل، نسق ثقافي قائم على المجاملة، والتغني بالأمجاد، والمبالغة في تمجيد الذات، ورفض النقد باعتباره تهديدا لا شرطا مؤكدا للإصلاح. ويستعاض عن الإنجاز بالاحتفاء الرمزي، وعن التقييم الموضوعي بالتزكية المتبادلة، فيترسخ وهم التفوق بينما تتآكل شروطه الواقعية، ويغدو المديح وسيلة لإخفاء مواطن الخلل بدل أن يكون النقد مدخلا لتجاوزها.وفي ظل هذه الأجواء، بدأ وهج الماضي يخبو شيئا فشيئا، ويتآكل الرصيد الثقافي والرمزي الذي راكمته مرحلة ما بعد الاستقلال والانفتاح، بينما ينكمش الحاضر تحت وطأة “عولمة” جارفة تمتلك من أدوات التأثير ما يجعلها قادرة على إعادة تشكيل الأذواق والمرجعيات. غير أن هذه العولمة، في غياب مشروع ثقافي وطني، لا تفضي إلى التفاعل الخلاق مع العالم، بل إلى تذويب “الخصوصيات” وإحلال “المحاكاة الناسخة” محل “الإبداع الأصيل”، فيتحول الانفتاح إلى تبعية، والتواصل إلى استهلاك.وحين يلتقي هذا الضغط الخارجي مع هشاشة البنية الثقافية الداخلية، يصبح التقليد أسهل من الابتكار، والاستهلاك أيسر من الإنتاج، ويغدو النجاح مرهونا باستنساخ تجارب الآخرين لا بابتكار حلول تنبع من الواقع المحلي. عندئذ يتسع الفراغ الثقافي، وتضعف إرادة التميز، وتتراجع الثقة في القدرة على الإبداع، فتغدو الثقافة مجرد “صدى باهت” لمنتجات الآخرين، وتفقد وظيفتها بوصفها أداة لإنتاج المعنى، وبناء الوعي، وصياغة الهوية.إن النهضة الثقافية لا تبدأ بزيادة “المديح”، ولا بتكثير “الألقاب”، ولا باستدعاء أمجاد الماضي كلما عجز الحاضر عن تقديم منجز جديد، بل تبدأ بالاعتراف بالنقص، وبناء المؤسسات، وإطلاق حرية النقد، وتشجيع الإنتاج، وربط الثقافة بالفعل المجتمعي لا بالخطابة. فالثقافة التي لا تنتج معرفة، ولا تصنع مؤسسات، ولا تفتح آفاقا للإبداع، تفقد تدريجيا قدرتها على التأثير، مهما كثرت الاحتفالات بها. أما الثقافة الحية، فهي التي تجعل من النقد فضيلة، ومن الاختلاف مصدرا للإثراء، ومن الإنجاز معيارا للمكانة، لأن الأمم لا تقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تضيفه إلى رصيد الإنسانية من فكر وإبداع وقيم.

